المقدمة

إن الحياة هي سر الله في الخلق، ونور الله في الخلق، وهي مظهر من مظاهر إرادة الله ورحمته في الخلق. والحياة وإن بدت محدودة في مظهرها غير أنها واسعة في آفاقها وآمادها ومعانيها سعة علم الله وسعة إرادته وقدرته.

والحياة أنواع كما الأحياء أصناف، فحياة الإنسان في جسده، وحياته في عاطفته، وحياته في أسرته، وحياته في مجتمعه، وحياة المجتمع في الإنسانية كلها، كل حياة لها مظهر، وكل حياة لها سبب وجود وأسباب موت وزوال، وكل حياة في حركة مستمرة وتفاعل، وهذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.

وإذا كان الإنسان يمضي إلى ربه كدحاً: “يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه”، فإن المجتمع تقاس حياته بحياة أفراده ووجود علاقات وتفاعلات وصلات بينهم، بل إن حياة المجتمع منوطة بوجود الحركة فيها، فلا مجتمع بدون الحركة التي تمضي به إلى مصير ما.

ومن مظاهر الحركة التي تلاحظ في المجتمعات اختلاف السبل في الآراء والأنظار، ومن العبث التغافل عنها، أو تناسيها.

ولعل الناس في المجتمع يحتكمون إلى أمرين: مجموعة عادات وأعراف وتقاليد تعطي المجتمع نوعاً من الثبات ظاهراً، وإلى آراء فردية تحاول الخروج من هذه القواعد بدرجة أو أخرى ولعلها هي التي توقد نار التغير وتذيب التقاليد الثابتة التي صارت كالجلد الميت في الكائن الحي، وتحول المجتمع دائما إلى وجه جديد. وإن الناس أمام هذا المتغير الفردي لهم موقفان، فموقف يؤيده، وموقف يرفضه، ويتشبث بما تمليه العادة، وهذا هو الموقف السائد، وأصحاب هذا الموقف كأنهم يقولون: (قد ألفينا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون)، ويقولون للمخالفين بأنهم يخالفون توقعات ما عليه الناس من العادات.

 ويظهر أن المجتمع الذي يقوم كليا على التقاليد لا بد أن يحكم عليه بالموت ما لم يوجد في بنيته الذاتية من الأسباب التي تمده بالقدرة على تغييرها. فتماسك المجتمع واستمراره حياً أمران لازمان، وعنصران ضروريان لوجوده. فلا بد من بث شحنة الحياة في وريد المجتمع وقلبه وأنسجته، وهذا إنما يكون بتعريضه للسبل المختلفة كي يبقى فتيا.

ولكن هذه السبل المتغيرة لعلها مضرة ولعلها صحية، والذي يقرر ذلك قوة السبيل وصفات كماله وما تحوي من مبادئ صحيحة ومعتقدات صائبة، ورؤى تملك من الإنسان ناصيته إلى الخير.

 وربما ظن قارئ هذا الكتاب الذي بين أيدينا أنه يطلعنا على مجرد حوادث عن الإيمان بالله متقطعة منفصلة ، تصدر من أشخاص لا تعد أفعالهم إلا سلوكيات فردة مقطعة الأوصال عن حركة مجتمعاتهم، وتصدر من أفرادها ردود أفعال مختلفة، منها المؤيد، ومنها الواقف موقف المعاند، وأخرى منعزلة متفرجة تلوذ بالصمت؛ ذلك الصمت الذي يحمل في طياته بذور أمرين معاً، المؤيد والرافض.

يدرس هذا الكتاب سيرة نساء اخترن سبيلاً آخر وامتلكن رؤية أخرى، في وسط مفعم بالحريات، مفتوح على كل شئ، وأناس زودتهن ثقافتهن بميول توجههن نحو تقليب النظر في كل شيء، وقد أشربت بذوق من البراغماتية العملية التي تتناول الأمور من نهاياتها ومن منافعها، دون التحليق في النظر إلى مثاليات التفكير ومبادئها العليا. ولعل الله قد أعطى لكل عصر حده، ولكل قوم توجههم، ولكل فرد ما يتذوق به الحقائق، ومهما تنوعت المشارب فقد أودعت في سر بنائها ما ينفتح به الإنسان إلى أمد لا يحده شيء، وإلى دوام في البحث لا يسطره قلم ولا ينطق به لسان.

وهذا السبيل الذي اختارته البنات هو الإسلام بثرائه وقوته ومبادئه وأحكامه، وبكلمة موجزة بقوته الذاتية. ثم البنات هن أمريكيات لا يعرفن ثقافة أخرى غير الثقافة الأمريكية، ولعل من المتوقع أن يرفضن غيرها، ومن يجهل الأمر يرفضه، ويخاف خوض تجربته المجهولة، ويريح نفسه من عناء البحث وارتياد المجهول، ولاسيما إذا احتكم المرء إلى نظرته العاجلة النفعية، وهل يرتاد المغامرة إلا أصحاب النفوس الكبيرة. لهذا السبب المشار إليه من التوقعات بتعبير الكاتبة، كانت ردود الأفعال رفضاً للمواقف الجديدة أو قبولاً لها.

تبدأ الكاتبة الحديث عن ظاهرة فتيات أسلمن في أمريكة وتمهد به للفصول القادمة وتسلمنا إلى بداية السبيل حيث النشأة في أحضان عائلة نصرانية فتعرض البيئة التي عاشت فيها المرأة، ومدى تأثيرها عليها. ثم تنقلنا إلى السبل المتغيرة التي قد تتعرض لها تحت ظروف شتى وكيف تختار من بينها الإسلام، وما هي المؤثرات التي سببت هذا الاختيار. ثم تنقلنا الكاتبة مرة أخرى في هذا الاستكشاف العظيم فتتحدث عن هجران الطريق القديم، وردود فعل الأهالي تجاه قبول الطريق الجديد.

ثم في مرحلة أخرى تتحدث فيها عن استكشاف الإسلام وفي سبيل ذلك تتحدث عن – مبادئ الإسلام وممارستها. وتعرض الكاتبة بعدها مشكلة قبول مسير البنات عبر المصالحة في طراز الحياة بين الأهل والبنات. وكذلك تعرض مسألة الدخول في الإسلام بالزواج حين يكون الاثنان مسلمين.

ولعل تربية الأطفال على سبيل آخر هي المشكلة الكبرى التي تحتاج للنظر بعناية، وما مصير الأطفال المسلمين في المجتمع الأمريكي، وكيف عالجت المسلمة هذه المشكلة. ثم تنتقل بنا إلى العمل معا على بناء وصيانة العلاقة باحترام السبل المختلفة. وأخيراً تتحدث الكاتبة عن البنات يتحدثن ويشرحن ما الذي يرغب المسلمات ممن حولهن معرفته.

ويسير الكتاب ضمن منهج واضح وخطة مرسومة؛ فتبدأ الكاتبة بتقرير الحقائق بطريقة استقرائية إذ تستنتجها من معطيات الاستبيانات التي وزعتها على شرائح الدراسة التي تمثل النساء اللاتي دخلن الإسلام، فتسرد ملخص الأفكار المتحصلة من الاستبيانات أولاً، ثم تتبع ذلك بسرد نماذج من البيانات التي وردت فيما قالته النساء ليكون ذلك دليلاً على ما ورد في ملخص الفكرة.

وتذكرني هذه الطريقة بكتاب الرسالة القشيرية، فما أشبه طريقة المعالجة هذه بمنهج كتاب الرسالة القشيرية التي عرفها كل مسلم حيث يعرض القشيري الفكرة أولاً ثم يتبعه بما ورد عن أئمة الشأن في المسألة التي يتحدث فيها من تجاربهم وتفاعلهم مع الفكرة وتصورهم لها، ليكون ذلك نبراسا وسلوكا عمليا لعله يستفاد منه. فقالت الكاتبة: سألني أحدهم هل هذه القصص حقيقية؟ فقلت نعم، لأن مصدرها الاستبيانات.

أما تلك النساء، تقول الكاتبة، إن هن إلا بناتنا أو حفيداتنا أو أخواتنا أو بنات عمنا أو عماتنا، أو صديقات لنا، أو زملاء في العمل اخترن طريقة مختلفة للإيمان بالله، فلعل هذا الكتاب يكون سبيلاً لانطلاقة قصيرة لفهم طريقتهن في دخولهن سبيلاً آخر.

ولا يغرنك مظهرها ولباسها الذي يوحي بأنها من خارج أمريكا، لا، بل تكلم معها واعرف ردود أفعالها، إنها من أمريكا تحمل الثقافة الأمريكية.

إنها في رحلتها الطاهرة تلقى من ردود الأفعال من أمها وأبيها وقريباتها ومجتمعها، لكنها قد تكون ردود أفعال عاطفية لأن الوضع الجديد يهز علاقتها بهؤلاء ويدخلها في مجهول بتقديرهم ، وأما البنت فماضية إلى النور الذي أخذ منها قلبها ونور بصيرتها، وهو أكبر بكثير من هذه اللفتة العارضة التي يمكن الوصول في حلها إلى بر الأمان.

رحلة تكتشف فيها المرأة بهاء الإسلام في مبادئه، أو عظمة القرآن بتعاليمه، أو يقع بصرها على مجموعة من أحكام الإسلام فتستمتع بها وتأخذها أريحية المؤمن وسعادة الانسجام معها، أو تملأ عليها فراغها الروحي الذي لا يملؤه شيء آخر سوى الإسلام. إنها تمضي في طريقها وتهمس دائما، في أسماع العالمين، وتبث لهم سعادتها قائلة:

و الذي سأذكره هي اللحظات السعيدة

مهما قال الآخرون

والسوء الذي هناك

 لن يغلبني

لأن الله معي طول الطريق.

والمهم أن كل شخص عليه أن يعرف ما ذا يريد، وهذا بداية الطريق، وأما الشخص الذي لا يعرف ما ذا يريد يعد في ميزان الحياة شخصا ضائعا لا يعرف استقراراً ولا يقوى على اتخاذ قرار، فأول القرار تحديد الهدف.

ويبدو أن طريق اتخاذ القرار انما يمهد له في جو من الهدوء والسكينة، إذ تظهر الدراسة أنه كلما كان موقف الأسرة متعاوناً وداعماً واطلاعها كبيراً كلما قل إحساس المرأة بالتعصب للمواقف. إن الموقف المتشدد يمكن أن يكون تعويضاً عن الحاجة إلى الدعم والثقة.

فما هو الإسلام؟ ومن هو المسلم؟ فلعل الجواب فيما تقرؤه من صفحات الكتاب الآتية، نموذجاً من النماذج التي تضئ صورة الإسلام وصورة الشخصية المسلمة التي حملت تجربة الإسلام فكرة وعقيدة وممارسة وسلوكاً.

        حمزة حمزة

 20 كانون الأول 2010

للمقالات الأخرى ، يرجى زيارة صفحة المدونة.

Call Now ButtonHemen Arayın

Pin It on Pinterest

Share This